المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر عبدالرحمن الريح


اميرة ابايزيد حسن
03-26-2011, 04:04 AM
الشاعر عبدالرحمن الريح
(1918-1991م)
موضوع منقول
لبروفيسور الفاتح الطاهر
(من كتاب مع رواد الأغنية السودانية المعاصرة)


أمدرمان سليلة المجد ومهد الحضارة القومية ومنبت الإبداع . لها عتاد فني عظيم من مكونات الإنسانية عبر تاريخها متمثلاُ في تراثها الزاخر وكبار مبدعيها الذين فجروا في بداية القرن الماضي نهضة ثقافية وفنية كبرى حددت لنا مساراتنا الفنية التي نسير عليها الآن ...
في خريف عام 1923م إنطلقت الشرارة الأولي من أمدرمان في أحداث تغيير معين في أسلوب الغناء غير أغاني (الطنابرة العتيقة) ورميات محمد ود الفكي ... فكانت أغاني الحقيبة وهي مرحلة تاريخية هامة ، فدخلت هذه الأغاني الوجدان والعقل الذاكرة بشكلها الخاص ... بسيطة الفهم والإدراك ولا تحتاج إلى مجهود كثير في الذهن لكونها مشيدة غالباً على إيقاعات وموازين بسيطة تنسجم كلياً مع الأغاني والقصائد الفلكلورية ذات الاسلوب الخفيفة المرح وبذلك فقد ارست الحياة الأمدرمانية جذوراً لحركتها الفنية .
والفضل في إزدهار أغنية الحقيبة يرجع إلى شعراء ومطربي أمدرمان (إبراهيم العبادي ، صالح عبدالسيد (أبوصلاح) ، عمر البنا ، عبيد عبدالرحمن ، سيد عبدالعزيز ، محمد بشير عتيق ، عبدالرحمن الريح ، الأمين برهان ، كرومة ، الفاضل أحمد ، إبراهيم عبدالجليل) وآخرين ... لقد كان هؤلاء الشعراء والمطربون يمجدون جمال وفضائل فتاة أحلامهم بتعابير زاد لطفها الحب المهذب ويعني مثالية رفيعة من شأنها بعث أسمى التأملات الشعرية وأرق الأغاني العاطفية.
ويعتبر عبدالرحمن الريح أحد رواد هذه الحركة الفنية في السودان وآخر شعراء الحقيبة ، عمل ومنذ البداية على ترشيخ مفاهيمها ومبادئها الإبداعية والجمالية والفنية ، له تاريخ فني قائم بذاته له جذوره وإمتداداته وفروعه المثمرة في كافة المجالات الغنائية ، وهبه الله المجد فتواضع وأقر بفضل الله عليه .
ولد عبدالرحمن الريح بحي العرب إفتراضياً عام (1918م) وفي فترة طفولته بالذات كان هذا الحي ينبض بالحياة ويحتفظ بكل خصائصه كاملة ، يملك الموروث الشعبي القديم في الحارة السودانية حضارة وثقافة وفكراً وتختلط فيه الأذكار الصوفية والطقوس الدينية بساحات الأولياء ومن هنا كان هذا الحس بوتقة إنصهرت فيها شخصية عبدالرحمن الريح الإبداعية ، ولقد أحاط بكل اللغات وبكل القواعد وطرق البناء ولم يتحزب وإنما هضم كل تلك الطرق المتضاربة ظاهراً وخرج منها بلغته الشخصية .
إن نشأته المتواضعة هذه قد هيأت له تشرب الروح والجد والملامح والظلال والترث الشعبي لاضخم الذي تموج به هذه المدينة . ومن هنا لابد من وقفة مهمة في حياة هذا الفنان وهي نقطة العطاء الفني عنده ... والفنان لابد أن يمر بمراحل عديدة أولها مرحلة البداية وفيها يكون الفنان في حالة تعلم وهي مرحلة مهمة جداً وأساسية في جمهورية الغناء السوداني وتعني الكفاح لإثبات لاذات .
بدأ بأغاني ذات نمط جديد (أنا سهران ياليل ، خداري ، جاني طيفه طائف) ، بعد أن تحرى المواضيع البسيطة المباشرة والأحداث المختلفة مقولة إلى الناس والمشاعر المألوفة المترجمة بنبرة الحقيبة وبالتالي القريبة من الحياة العادية بما يكفي لتجد صدى عند الجماهير الأقل تجاوباً مع التحولات الفنية ، وإتخذ الصيغة البسيطة وأدخل فيها الغناء الجميل خلسة لا كظاهرة باذخة مخصصة للمتذوقين بل كتسلية ديمقراطية مبسطة ، ولذا نجد أن كرومة عندما كان يغني في إحدى الحفلات طلبت منه الجماهير أن يغني ثلاثة أغنيات وكانت جميعها من كلمات وألحان عبدالرحمن الريح فغناها لأن رغبة الجماهير هي الغالة وقد تقبلتها بفرحة وسعادة والأغاني هي التي بدأ بها مشواره الفني (خداري وأنا سهران ياليل) .. فالفن الجيد يصل بسرعة إلى القلوب ... وهذا إن دل على شئ إنما يدل على أن شاعرنا الكبير بدأ بداية طيبة واستطاع من خلالها أن يزرع رئة جديدة للجمال في جسد الأغنية السودانية ، فصال وجال مغامراً من أجل الجملة اللحنية والشكل اللحني والكلمة الهادفة وحافظ على روح الغناء السوداني وإيقاعاته مع لمس الحسن الشعبي .

كان التم تم ثورة فنية ونقطة تحول في الأغنية السودانية ، إنتقلت به من الإيقاع البطئ إلى الإيقاع الأسرع .. وكانت الناس مهوسة به ، فقدم ما رددته الجماهير ومن بينها ( لي زمان بنادي وخداري) وقد استطاع عبدالرحن الريح بحق وبشكل ملموس وواضح في تشكيل ذوق المجتمع السوداني وفي السنوات التي تصاعد فيها الكفاح الشعبي عموماً والنضال في صفوف الطبقة العاملة بصفة خاصة سنوات الحرب العالمية الثانية ظهرت أغاني تتناول القضايا الملحة للجماهير الشعبية فقدم رجال الحدود :
هيا يارجال الحدود
دافعوا عن أرض الجدود
وأتذكروا النايرة أم خدود

وقد غناها الفنان الكبير سرور ...
وأيضاً عندما إشعل مؤتمر الخريجين العام نار الوطنية إنعكس هذا الشعور الوطني على الأدب والفن فكان عبدالرحمن الريح يبث الروح الوطنية عن طريق شعره وأغانيه واستمر على هذا المنوال حتى غادر الإستعمار البغيض البلاد .
وكانت المرحلة الثانية وهي أكثر مراحل حياته الفنية نضجاً وتحكماً وإستيعاباً لأدواتها الفنية التعبيرية التي استخدمها في مرحلته السابقة بتلقائية وفطرية ... ويقول عبدالرحمن الريح (أنا أعتز جداً بهذه المرحلة ففيها كفاح وتعب وعرق) ..
بدأ في هذه المرحلة أنه يلتمس مفاتيحه الفنية الحقيقية وأخذ يدخل مساحة فنية جديدة بعد أن حقق لنفسه نجاحاً مميزاً على الساحة كشاعر وملحن مرغوب ، وفى عام 1943م دخل مجال العزف على آلة العود محاولاً تحقيق مساحة جديدة من النجاح الفني بعد أن شعر أن المستقبل أصبح للآلة الموسيقية التي جذبت إنتباه المستمعين الأذني نحو الإمكانيات المبهجة للألة الموسيقية ، وكانت أولى أغنياته التي وضع كلماتها ولحنها مستعملاً آلة العود أغنية (بعيد الدار طال بي بعدك مني يامولاي تنجز وعدك) وقد غناها زنقار ثم تلاها بمجموعة أغاني كانت من نصيب إبراهيم عبدالجليل (أضيع أنا ، الساعة كم ، ما ممكن أصرح) وغني له كرومة (في رونق الصبح البديع) وهي من كلمات محمد بشير عتيق ومن ألحانه .
وفي عام 1946م تعرف على المطرب الناشئ التاج مصطفي ... ويقول التاج مصطفي عن هذا اللقاء ... "كنت محظوطاً بالطبع لأن عبدالرحمن الريح شاعر كبير وأغانيه تسيطر على الساحة لنجاحه الساحق وكان يرعاني بكل الطرق وينصحني ويعطيني تجربته في الحياة وفي الفن ببساطته المعهودة وقدمت معه (راحة الضمير ، جيران في الحب ، أنت السمير قلبي بيرتاح ليك كتير ، الملهمة أنا أرضيت ضميري ، أنا المعذب ، إنصاف) ... كان الملهمة تحفة فنية ونقطة تحول في تاريخ الغناء السوداني وبداية مرحلة جديدة تعكس حياة المجتمع ، والمجتمع الأمدرماني يتطور باستمرار .. ومع الأيام كان عبدالرحمن الريح بأغانيه يصنع مجداً لكل مطرب يتغني بألحانه وعظمة صوت حسن عطية لم يصبح واقعاً يفرض نفسه على ساحة الطرب والغناء السوداني إلا بأغنيات عبدالرحمن الريح (خداري ، لو أنت نسيت ، حرمان ، الوان الزهور ، يا ماري عند الأصيل ) وأغنية لو أنت نسيت هذه الأغنية أخذت من وقت وعقل وقلب عبدالرحمن الريح الكثير .
إن عبدالرحمن كان صرخة مدوية في أسلوب اللحن الحديث البسيط مما جعل حسن عطية يتلقفه ويحتكره ، ولكن من وقت لآخر كان يفلت منه ويقدم إنتاجه لمطربين آخرين وعند إضراب الفنانين عام (1950م) قدم الفنان رمضان حسن في أغنية (الزهور صاحية وإنت نايم) وعلي إبراهيم (إشراقة البشاشة) وخالد محمد أحمد (أحبك والقرام قسمة) ونجحت هذه الأغاني بدرجة ممتاز وأصبحت على كل لسان ، فما كان من المطربين إلا فك الإضراب والعودة إلى الإذاعة دون قيد أو شرط ، ولكن مراقب الإذاعة وضع شروطه وهي أن أي فنان يود الغناء في الإذاعة عليه أن يقدم أغنية جديدة وكان له ما اراد .