المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأستاذ خضر محمود سيدأحمد: شيخ شعراء الأغنية الشايقية (1/2)


د. أبوشوك
09-02-2010, 07:14 AM
الأستاذ خضر محمود سيدأحمد

شيخ شعراء الأغنية الشايقية (1/2)

أحمد إبراهيم أبوشوك


استوقفني الحوار الصحافي الذي أجراه الأستاذ عوض الخليفة طه مع الشاعر المطبوع خضر محمود سيدأحمد بضاحية الحاج يوسف، واستهله بقوله: "عندما يكون الحديث مع شاعر في قامة خضر محمود سيدأحمد، فهذا يعني أن الحديث سيكون له طعم خاص، فالرجل شاعر بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فمثلما كان النعام آدم ملك الطنبور، فهو أيضاً ملك شعراء منطقة منحني النيل، تلك المنطقة التي خرَّجت العباقرة أمثال حسن الدابي، وعبد الله محمد خير، والسر عثمان الطيب، ومحمد سعيد دفع الله، ومحمد الحسن سالم (حميد)، وإبراهيم ابنعوف، وعوض عابدون، والقائمة تطول، ولا تكفيها الصفحات". حقاً أن القائمة تطول، ومداد اليراع ينضب في سرد أعلام المبدعين؛ لأن منطقة مروي الكبرى تحظى بتراث ثقافي سامق الجودة، يحمل بين ثناياه ملامح تواصل مستمر بين القديم والجديد، وتلاقح دائمٍ بين الثابت والوافد، في بيئة نُسج فضاؤها الإبداعي بمنوال جدلية قائمة على عطاء النيل الخالد وتجليات الفعل الإنساني على ضفافه الخضرة عند أرض المنحني، حيث تتراكم قيم الأديان المتعاقبة التي سادت تباعاً في تلك الربوع، وتتمدد شبكة العلاقات التكاثرية بين أهل مروي الخُلَّص والوافدين إليهم. عند هذا المنعطف الموشَّح بشارات التواصل الثقافي وقف الشاعر عمر الحسين محمد خير (ت. 2005م) وقفة تأمل ثاقبة، حاول من خلالها أن يخرج ثقافة الشايقية من ضيق الانتماء إلى القبيلة الواحدة إلى سعة الانتساب المتعددة المصادر، الناظمة لمواعين القيم الثقافية وشبكة تراث أهل الدار. وفي الاتجاه ذاته تشخص نظرات الأديب اللوذعي الدكتور توفيق الطيب البشير، منطلقةً من ثوابت رؤية منفتحة تجاه التناسل الاجتماعي داخل محيط مروي الكبرى، والتحاور الثقافي بين مفردات نسيجها الديمغرافي في تناغم أريحي بين تحديات المكان المتغيرة، بتغير الدهر، واستجابات الإنسان المتطورة في كنفها. وإلى جانب نظرات الدكتور توفيق تنداح دائرة جهود الأستاذ صلاح هاشم السعيد والباحثة الميدانية الأستاذة فاطمة أحمد علي التي استطاعت أن تجمع شذرات مهمة من شتات تراث منطقة مروي الثقافي في سِفْرِها الموسوم بـ "منطقة مروي المخبر والجوهر"، وتوثق لطبيعة الينابيع الاجتماعية التي كان لها فضل السبق في سقاية جذوره، ونَتْح أغصانه؛ إلا أن المنهج الأكاديمي الذي اتبعته الأستاذ فاطمة لم يوفقها في استيعاب حراك الثقافة الخلَّاق في المنطقة بصفة جامعة مانعة؛ لأنها حصرت نفسها في كنانة المجموعات الإثنية التي مغْنَطَت حركة مداراتها الثقافية والاجتماعية حول المجموعة الشايقية، وذلك في إطار جدلية الأصل وتوابعه، علماً بأن لكل مجموعة من تلك المجموعات كينونتها المايزة، ومركزها الثابت الذي تتقاطع خطوط سيره مع المدارات الأخرى، وتتوحد في خاتمة المطاف حول مدار ثقافة جامعة يطلق عليها مجازاً ثقافة الشايقية. ويصب في الاتجاه ذاته موقف الأستاذ متعدد المواهب عبد الرحمن مامان الذي يرفض بشدة تنميط ثقافة منطقة مروي الكبرى في كينونات قبلية (مثل الشايقية، والبديرية، والهواوير، والحسانية، والقراريش، والمناصير)؛ لأنه يعتقد أن أهل هذه المنطقة قد تصاهروا اجتماعياً، وتزاوجوا ثقافياً، لدرجة جعلت مخرجات عطائهم الأدبي تتجاوز أوعية الأثنيات الضيقة، لتشكل نسقاً ثقافياً واحداً، يدور وجدانه الجامع حول عطاء المبدعين، وجماليات منطقة مروي الكبرى، وتجاوبها مع قيم التراث الثابتة وتجليات الحداثة الوافدة. إذاً الإطار الثقافي أوسع رحابة من الوعاء الإثني الذي يشكل مفردات التركيبة الديمغرافية في منطقة حاج الماحي، والعامل حسونة، وود صليليح. في هذه البيئة المُشبَّعة بأشعار الأغنية الشايقية وشعرائها الراسخين في النظم المقفى، لنا وقفة في محراب الشاعر خضر محمود سيدأحمد، الذي جادت قريحته بلوحة شعرية، قوامها خرير مياه النيل الفرات، وخضرة ضفافه العسجدية، ووجوه حسناواته فارطة الحسن. إذاً من حقنا أن نستفسر ونتساءل: من أين أتى هذا الرجل؟ وإلى أي جيل ينتمي؟ وما فلسفته في الشعر ونظم القصيد؟ ما أشعاره التي خلَّدت منه علماً لامعاً في قاموس الأغنية الشايقية، لدرجة جعلت الأستاذ عوض الخليفة طه ينصِّبه ملكاً لشعراء المنحنى والوادي؟


من أين أتى الشاعر خضر محمود؟
أتى الصبي خضر من حصاية جده العمدة أحمد شوك بمنطقة قنتي، ومن صلب الرجل العابد محمود سيدأحمد أمامه الذي يُرفع نسبه إلى عشيرة المشاويين فرع أولاد نصر، ومن ترائب الحاجة الصالحة فاطمة بت أحمد شوك، التي نذرت طرفاً من عمرها الزاخر بالعطاء لصون مسجد القرية العتيق ليكون على طُهره ونقائه. وُلُد خضر في هذه البيئة الصالحة العابدة بعد ثلاثة أعوام من تأسيس مشروع الكُلد الزراعي عام 1927م، وفي مرحلة بدأت تشهد المنطقة تحولاً تدريجياً في أنماط الزراعة التقليدية. تفتحت عيناه على قواديس السواقي التي كانت خير أنموذج لمفهوم "الاعتماد على الذات"، وأفضل تجسيد لشعار "نأكل مما نزرع"، فضلاً عن أنها ظلت تشكل معلماً بارزاً من معالم قرى الشمال المصطفة على ضفاف النيل، حيث تشكلت حولها حياة الناس، وعاداتهم الاجتماعية، وقيمهم الاقتصادية. تعرَّف خضر في هذه البيئة الزراعية على هندسة الساقية، وتدابيرها، وأسماء أطرافها؛ وتفقه في قراءات مناسيب النيل في أوقات الدميرة، وأساليب الري، والزراعة، وتربية الحيوان؛ وشارك أهل القرية في أساطيرهم ومعتقداتهم التي أفرزها التصاقهم الوجداني بالساقية، وجعلهم ينذرون إليها النذور، ويعلقون عليها التمائم بغية الفال الحسن. وإلى جانب هذه المعارف التراثية حفظ خضر طرفاً من أغاني "الأروتي" في الفجراوي، والضحوي والعشَّاوي، وإنشاد "التربالة" في مواسم الحصاد، وإعداد البوقة (أي الأرض) للموسم الزراعي القادم، وتعرَّف على معايير قسمة العائد المادي بين الإنسان، والحيوان، والآلة.

في هذه الفضاءات المعطرة بأنفاس المزارع المروية، وخرير جداولها الدافقة على جنباتها، وأنغام قماريها المغردة على أشجار نخيلها الباسقات، بدأ الخضر ود محمود ود سيدأحمد تعليمه الأولي حواراً بخلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد بابوش، التي كانت تقف شامخة بجوار مسجد القرية العتيق، حيث نداءات آذانه التي أضحت تشكل جزءً من وجدان القرية النابض في مغاربها وعشياتها، وعندما يتبين خيط صبحها الأبيض من سواد ليلها الساكن، معلناً بزوغ فجر جديد وأداء صلاة مفروضة، وتجديد يومٍ باكرٍ في حقول السواقي العامرة بعطاء صمودتها، وترابلتها الذين شمروا عن سواعد جدهم لتحقيق كسب مشروع، ورزق حلال طيب لذراريهم وعشائرهم الأقربين. وبين خلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد وخلوة الخليفة أحمد كورينا درس الخضر طرفاً من القرآن الكريم، ثم آثر الهجرة إلى خلاوى أبو دوم قشابي، حيث درس على فضيلة شيخها محمد طه إدريس مبادئ اللغة العربية، وطرفاً من الفقه على مذهب الأمام مالك بن أنس، وشرع أيضاً في حفظ القرآن الكريم. وقبل أن يستقيم ميسم حفظه للقرآن الكريم تمرد الحوار الخضر على "القرآية أم دق"، وطلق حلقات الذكر والذاكرين، وهجر نيران الفيض القرآني، دون إذعان لرغبة والديَّه وأهل قريته الذين كانوا يحلمون بتخرجه عالماً بين ظهرانيهم. وبعد قرابة خمس سنوات من الهجر والعزوف الشبابي في طلب العلم ومجالسة العلماء قرر صاحبنا الهجرة إلى الصعيد، للبحث عن رزق أفضل، كعادة أقرانه من شباب ذلك الجيل الفريد. وبفضل هذه الهجرة عاش شاعرنا مشدوداً بين قيم الصعيد والسافل، إلى أن وضع عصا الترحال عن العاتق بضاحية الشقلة بمحلية الحاج يوسف بالخرطوم بحري.

الخضر من المسيد إلى نظم القصيد
ظهرت ملكة خضر الشعرية منذ نعومة أظفاره، وعمره بين العقد الأول والنصف الثاني، إذ أنشد قصيدة اسمها "المجمّر لونها"، ومطلعها يقول:

المجمل لونها لي بت يحمد العرجونة

الفنجان صغير في عيونها

والفضة المصفا سنونها

والدهب المجمر لونها

****

منك نظرة يا شفافة

لو كان المريض يتعافى

أنت المنقة والجوافة



فهذه القصيدة رغم بساطة كلماتها، إلا أنها تدل على ملكة الشاعر الأدبية الباكرة، التي لم يحبذها والده العابد الشيخ محمود سيدأحمد آنذاك، لأنه كان يمنيَّ نفسه أن يوظف ابنه الخضر تلك الملكة الأدبية في حفظ القرآن وتجويد التراث الإسلامي، ومن ثم كان رد فعله سالباً عندما سمع بهذه القصيدة، إذ أنه شد وثاق الشاعر، وعاقبه على وثبته العفوية في قرية كانت تنظر إلى مثل تلك الإشراقات الرومانسية والغزل الصبياني البريء بعين الريبة والحذر. فلا عجب أن هذه العقوبة قد هيجت شيطان شعره الجامح، ودفعته لإنشاد قصيدته المشهورة بـ"نوارة قنتي" عام 1957م، والتي شكلت انطلاقة نوعية في تاريخ حياته الأدبية وتطور الأغنية الشايقية، علماً بأن الشاعر الطموح لم يكن طالب شهرة، أو متكسبٍ بترويج أشعاره. وقد نظم تلك القصيدة بكفاءة أدبية عالية، قلد فيها نظم الموشحات الأندلسية؛ لأنه جعل سُداها يعتمد على حزمة من القوافي المتناوبة، والمتناظرة وفق نسق شعري جذَّاب، يعلو فيه جرس الطباق، وسلاسة الجناس، والاستعارات المكنية، والرمزية الجامعة بين صفات المحبوبة وتشبيهاتها بجماليات البيئة الزراعية المعششة في مخيلة الشاعر، ومشاعره المسكونة بحب الريف، فضلاً عن محاولاته الدءوبة لإخراج مفهوم الحب الذي استهجنه الناس أجمعين إلى دائرة المباح التي تجعل اللقاء بينه والمحبوبة لقاءً ميسوراً، لكن لا حياة لمن ينادي في باحات ذلك المجتمع الريفي وتقاليده العصية. وفي إطار هذه المقدمة الموجزة نعرض أبيات القصيدة كاملة إلى القارئ الكريم، علها توضح ما ذهبنا إليه من زوايا مختلفة، وتعكس مجمل اللوحات الفنية التي نظمها الشاعر، مُعبراً عن تيمه المكتوم، وعشقه الصادق لي "قصيبة لفت الجزيرة".

نوارة قنتي

جوهرة الشباب إنتي
ورداً نادي....... ومشتي
بي ألوانك......... بهرتي
وبي أنوارك...... جهرتي
وزي المارشال ظهرتي
من صيد الوادي... إنتي
هبلتيني......... وجفلتي
*****
الفي قلبي.... مطبوعه
شتيلة منقة.... مزروعه
صغيره ولينات... فروعه
سألت غفيره من نوعه
قال لي.... ليك ممنوعه
والخوه معاك مقطوعه
*****
قصيبة.... لفت الجزيره
خدره وقاسي تفسيرها
ودايماً... غضبان غفيرها
يلاقي الناس.. بتكشيرها
بفكر...... ألف تفكيره
وبقوم أفتحمعا السيره
*****
المحجور.........إذن صرفو
خدار متاكي... في جرفو
ياء الكية ..........من حرفو
وحاجبو هلال كحيل طرفو
كل العشاق.......... يغرفو
ويشربوا .. من بحر وصفو
*****
في الحِلّه .... الدوام حافلة
باقوم لها ....أسبق القافلة
ولي الله بصلي في النافلة
ألقاك ........في دلال رافلة
وبعيد رامي الهدم... غافلة
يا صيدة الخلا .......الجافلة
*****
سلام يا الكوكب... الضاوي
وسلام يا الفرع ....المناوي
وسلام يا أم حباً ...سماوي
حبك لي جسمي.. شاوي
ومألِم في القلب..... كاوي
وشُفتِك ليّ.......... بتداوي
*****
تعال أسمع ليْ....... روايه
وشوف السبب......... أذايا
جميلة جماله..........للغايه
وعظيمة ......ومخلوقة آيه
فريع مشتول ....بي عنايه
فرهد وقام في... الحصايه
*****
حبِّك فوق........ من العادة
وجمالك راجح......... زيادة
ولو كان خلُّوكِ........ سادة
تعطلي ناس في .. العبادة
فُصوده من النور ....مداده
وتطمِّع فيها........ حساده
*****
آه يا زهر ............الحديقه
النجفة الضوّت....... فريقه
حمامة الجبل .....الطليقة
مشيتك قاسي.... تطبيقه
وزي نغمات ......الموسيقه
وحرقتي العُشاق حريقه
*****
آه انا ديمه......... في أنّه
ومنك ما يقولوا .......جَنّه
إنت رمان منو....... أزمنا
جديد ما قام عند أهلنا
وجايبو ملاك ...من الجَنّة
وبروح لي أمو.... تتمني
*****
شبه الريل ...في خلاهو
وشبه الوزّ... في مياهو
وانا المكتول بي هواهو
ومن لونو ....ومن نداهو
بديع ماب أقدر ....غناهو
دايماً أكتبو ....وأنساهو
*****
خلاص خليتو ..... ميدانك
انا المارِضْني....... رُمانك
ومعلِّقه روحي.. طيقانك
وشايته مزاجي سيقانك
ومحير عقلي.... لمعانك
وتسريح شعرك ودهانك


(نواصل)

د. أبوشوك
09-02-2010, 09:13 PM
الأستاذ خضر محمود سيدأحمد

شيخ شعراء الأغنية الشايقية (2/2)



أحمد إبراهيم أبوشوك




لا غرو أن موشحة نوارة قنتي المكتنـزة جمالاً والمنبسطة عشقاً قد وجدت قبولاً واسعاً في الوسط الشعبي آنذاك، حيث تداولها الناس في مجالس إمتاعهم ومؤانساتهم الراتبة تحت أشجار نخيلهم السامقات، وعلى تلال رمال حلالهم المصطفة على ضفاف النيل، ولياليهم البيضاء بيض قمرها الساطع. في ذلك الوقت كان الإعلام يقوم على التداول الشفهي، متواتراً أو مشهوراً، لكنه لم يخرج عن دائرته المحلية إلى مصافي الشهرة القُطرية الواسعة؛ إلا عندما صدح الفنان النعام آدم "بنوارة قنتي" عام 1959م، وجعلها أنشودة يتغنى بها أهل البوادي والحضر في مواسم أفراحهم، ويربطون موطنها بتلك القرية الوادعة على ضفاف النيل (قنتي)، دون أدنى إشارة إلى شاعرها الطموح الذي أنتج لهم تلك الموشحة ذات الجرس الشجي، والقوافي الأندلسية الحالمة، أو تصريح مباشرٍ باسم المحبوبة، التي كانت تمثل ذروة سنام مقصد الشاعر وهدفه النبيل؛ لأن التصريح بأسماء الحسان كان يعد من المحرمات الخمس في ذلك الريف القصي، المتنكر لحقوق العاشقين.

الشاعر الطموح بين سندان العرف ومطرقة العشق
عاش الشاعر حضر محمود كسائر أبناء جيله في ذلك المجتمع الذي كان يَعُدَّ البوح بالحب سلوكاً ناشزاً عن تقاليد الناس وأعرافهم، وإن الغزل الصريح في حسناوات القرية نوع من أنواع الكفر الصراح، لذلك واجه شاعرنا النقد والعتاب من أولئك الذين سلخوه بألسنة حداد، وصنفوا أشعاره الغزلية في قائمة المحظورات؛ إلا أن تلك المواقف الناقدة لم تمنعه عن مواصلة مسيرته الشعرية التي انداحت دائرتها ماوراء أسوار قريته الحصينة. وعند ذلك المنعطف خطاب المعارضين برائيته المشهورة بـ "الدِفَيْق"، والتي يقول مطلعها: "مَقْسُومْ لِيَّ ومُقَدَّر ... الحُبْ والغَرَامْ مَكْتُوبْ مَسَطَّر". وبذلك حاول أن يقدم إليهم عرضحال ضافي البيان، عرض فيه واقعه العاطفي المتأزم الذي لا يمكن معالجته بالكتمان، والتمس لنفسه عذراً عند أولئك الذين لا يقاسمونه الشعور نفسه، ولا يحسون بإحساسه المُسيَّر في فيلق الحرمان، والذي لا يمكن الفكاك عنه إلا باستجابة صادقة من صاحبة الكيل الحسن، وأهلها الذين يقفون غفراً على سلوك العاشقين والطامعين في التقرب إليها زلفى. وفي ذلك يقول:-

بي حُبُّو ابْتَلانِي ... عَلَيْ تَجَسَّر
غَيَّرْ حَالِي ... فِي أفْكَاري أثَّـر
******
هَالِكْنِي الدُّقَاقْ... الشَّبَّ خَدَّر
طَالِقْ سَاخِي... مَا قَامْ مَكَـدَّر
******
عَارفْ حُبِّي لِيهُو .... اتْعَالَى وتَأمَّر
حَرَّقْ قَلْبِي ... فِي اللَّهَبْ المَجَمَّر
******
قالْ خَلاصْ أصْبَحْ أسِيرْ الحُبْ مَكَنْتَر
أقُولْ أنسَاهُومنْ حَظِّي المَعَسَّــر
******
أحِسْ بِي قلْبِي مَايِلْ لِيهُوأكْتــر
وانْفَلَتْ اللِّسَانْ لِي الدَّاسُّو فَسَّــر
******
ودَمْعَ العينْ... مَعَ ذِكْرَاهُو بتَّـر
وانْكَشَفْ المَخَبَّا ..... الكَانْ مَسَتَّر
******
القَالْ نِسينَاكْ ... غـَـشَّ زَوَّر
كِيفِنْ نَنْسَى حُبَّاً ... جَرْحُوغَوَّر


هكذا كان جرح تيم الشاعر الطموح جرحاً غائراً، حاول معالجته بخطاب ضمني إلى المحبوبة التي كانت تعيش في واقع لا يقدر أهله تطاول العاشقين بأعناقهم فوق أسوار قريتهم الحصينة، وخطاب رمزي آخر إلى ولي أمرها الذي كان يشكل موقفه المتعنت جزءاً من ذلك المجتمع الذي لا يقبل جدل الخطاب الصريح في قضايا العواطف الجياشة، وفي ذلك يقول:

يَقُوقِي دَبَاسَه فُوقْ كَرُّوقو زَمَّر

ومِنْ الطِّيرْ وقَفْ حَرَّاسَه شَمَّر

مَهَبْهِبْ دَابُو صَمَدُو عَلِيهوغَفَّر

يَنْهَرْ تُورُو عِنْدَ الشَّايَه حَــفَّر


لا مندوحة أن الشاعر الطموح قد استطاع أن يفرض تحدياً غير مسبوق في ذلك المجتمع الريفي، إلا أن استجابة ذلك المجتمع والمعنيين بالأمر فيه كانت استجابة ضامرة، لم تلامس طرفاً من تطلعات الشاعر وطموحاته المشروعة، فكان جزاء عشقه أن أعطيت المحبوبة إلى صاحب حظوة آخر لم ينشد في شأنها قافية واحدة. ولذلك نعى الشاعر كيل حظه الباخس، في قصيدته المشهور بـ "شتل الكُرُش"، والتي ينشد في بعض مقاطعها قائلاً:

صدقني يا ملك النخيل غنينا لي ناس ما بساولك ظفر
غنينا بي آخر مزاج لي ناس يحبوهو الشكر
لكن وقت بقو للحصاد حرمونا منو وأدهو لي ناس كُتر
يا بختهم ديل ناس سعاد والدنيا مداهم شطر
وجزانا كان جرحاً بليغ فوضنا لي الله الأمر
وفضلنا صايمين السنين لليوم ده ما لاقين فطر




الشاعر خضر ومظالم الدهر الثلاث
عاش الشاعر خضر محمود ثلاث مظالم مرهقة على امتداد تاريخ حياته الأدبية العامر بالعطاء، ويأتي في مقدمتها حبه الصادق لذلك "الفريع المشتول بي عناية ... فرهد قام في الحصاية"، إلا أن خواتيمه لم تتبلور في شكل علاقة ثنائية قوامها المودة والرحمة، بل كانت على النقيض، إذ زُفت معشوقة إلى صاحب حظوة آخر، وبذلك أضحى الشاعر صائماً السنين دون أن يتوج ذلك الصوم بفرحة فطر ترد غربة ذاته الضائعة في بيداء عشقه العفيف.

وتتجلى المظلمة الثانية في أن كل قصائده المغناة، مثل "نوارة قنتي"، و"فريع البان"، و"الفوسيب"، و"الدفيق"، كانت تُنشر وتُذاع باسم مغنيها الفنان المبدع النعام آدم دون أدني إشارة إلى الشاعر والملحن لمعظم قصائده، خصر محمود. فيبدو أن هذا الغبن الإعلامي قد دفع شاعرنا إلى رفع قضية حقوق أدبية ضد وزارة الثقافة والإعلام، في ستينيات القرن الماضي، وكسب القضية، ومنذ ذلك التاريخ أضحت أسماء الشعراء تذكر مع قصائدهم المغناة عبر وسائل الإعلام الرسمية.

وكان أكثر مظالمه الثلاث فداحة مظلمة فضيان النيل عام 1988م، حيث غمر التساب معالم "الحِلَّة الدوام حافلة"، وطمس ربيع أطلالها ودمنها التي كانت تشكل جزءاً من حياة الشاعر خضر محمود، وأغرق بساتينها الخضراء، وأشجار نخيلها المثمرات. وبهذا الكيل الباهظ الثمن هجر أهل القرية مزارعهم ومساكنهم التي أضحت أثراً بعد عين، وشد بعضهم رحاله إلى أطراف المدن. وفي خلال فترة هذا الجور والترحال فقد الشاعر الطموح كثيراً من أشعاره التي كانت مدونة في العديد من الدفاتر والكُراسات، ولم يبق منها إلا المشهور والمتواتر بين الناس. لذلك كانت غضبة الشاعر غضبتان، غضبة الفقد والدمار، وغضبة تجاه النيل الذي كان يمثل مبعث إلهامه الموحي بالجمال، فبين ضفتيه تنبسط فواسيب "الجزيرة الموجه دفَّر *** رشرش برَّه نطَّ القيفه طفَّر"، وتقرقر مياهه العذبة خريراً في جدولها المنحدرة، لتروي شتل "الكُرُشْ الفدع عرجونو جرجر *** مالمسوهو من الناس مُحجّر". بهذه اللوحة الفاقعة في الجمال والمنبسطة على رمال الرمزية الزاهية كان النيل موحياً بالفن والعطاء في نظر الشاعر خضر محمود، ومعطياً حياة أهل الريف طعماً ومذاقاً خاصاً، لكنه عندما جار عليهم، وأخذ منهم صاع العطاء بصاعين من الدمار، تضاعفت غضبة الشاعر المازجة بين بالنقيضين، ودفعته لإنشاد لامية عصماء، تقول بعض مقاطعها:

يا أرض يا بنت النيل

وثقافة جيل عن جيل

والصخر الحفر والأزميل

والساقية التروي القنديل


فلا جدال أن نقص الملبس والمسكن والثمرات يمكن أن يُعوض، ولكن نقص الأنفس والأشعار بدائله عصيَّة، وعِوَضَه مستحيل، لذا تبقى لنا كلمة مناشدة أخيرة للمهتمين بصون الأغنية الشايقية والشعر القومي الأصيل أن يلتفتوا إلى تكريم شاعرنا الفحل خضر محمود سيدأحمد، ويحتفوا بأشعاره المتناثرة، ويطبعوها في دواوين تخلَّد أسمه وذكراه، قبل أن يندثر هذا التراث الأدبي العظيم، وقبل أن يكون مصيره كمصير أشعار العامل حسونة، وغيره من الذين قتل إنتاجهم الأدبي فقه المشافهة الشائع بين أهل السودان.

*******
أمستردام، هولندا
22-26 أغسطس 2010م

مريم الخضر ابو سوار
09-03-2010, 02:45 AM
احييك دكتور ابو شوك (ينعاد عليك ان شاءالله)وكل سنة وانت طيب
ماجملك وانت تكتب عن شاعر مبدع ورائع وبعيدا عن الاضواء0اتمنى ان يجتهد الجميع في توثيق جميع اعماله 0كل الود

اميرمصطفي القراشي
09-03-2010, 08:47 AM
سلام ايها الدكتور ابوشوك
اسمح لي لاني تطاولت بان تكون لي بعض الكلمات في هذا البوست الذي افترعته يا سامق القامة وذهبي الكلام . فانت قد قلت فيه قولا يصعب علي امثالي التعقيب والذيادة او حتي الاشادة .
ولكن حلاوة التعبير ونسج الجمل والقول الوافي عن شاعر في قامة خضر محمود سيد احمد تجعل الانسان ينساق جبراً وقسراً الي هذا البوست الذي اامل ان ينال فيه هذ الشاعر الاديب حقه من الاعضاء المتداخلين انشاء الله .
وانا من المعجبين جدا بشعر هذا الشاعر الموسوعة الذي ملك نواصي الكلم وتلاعب بفصيح مفراداتها وهو لم يزل في غض صباه حينما قال هذه الابيات التي لولا كلمة (الهدم) لكانت كلها عارية من الدراجة ودارجة بشدة نحو الفصحة .
لي الله بصلي في النافلة
ألقاك في دلال رافــلة
بعيد رامي الهدم غافلة
يا صيدة الخلا الجافلة
ولكن اعجبني حديثه برغم أمنيته وهو يتضرع الي الله بالنوافل كي يشاهد شيئا وخين غفلة من مفاتن تلك التي تشابه في نفورها صيدة الخلاء التي تجفل مذعورة ان رأت انسانا
لان من المعلوم ان الصيد طبعه نفور وكذلك كن فتيات ذلك الزمان هذا قبل ان يختلط الحابل بالنابل . فشاعرنا كان ومازال متشربا ومتطبعا بذاك العهد لم تجده في كل قصائده ذات الطابع الغزلي ان يوصف انثي واصفا جارحا اومتغزلا غزلا مباشرا بذكر مفاتنها ولكنه دوما تجده واصفا اياها باجمل جماليات الطبيعة وحسب
الفـرع (المناوي) نـداه قــطّر
مع النسام يفوَّح طيبو عــطّر
ود الأريــل الســـارح مـبطّر
في بكر الخريف واديهو مطّر
او يأخذ من الزراعة فلذة كبد الجمال فيها كاحسن ما يكون الوصف حتي يقودك لاستدراك الجميل فيها الذي ماكان الغالب يظنونه ذو جمال لافت لولا شعر الفذ خضر محمود
بي حكمـو ابتلاني على تجسر
غــير حـالي في أفـــكاري أثر
هالكــني الدقــاق الشــب خدر
(فــالق دافي) ما قــايم مكــدر
حراتو النشيط في زرعو بـدر
جابق حوضو وما خلاهو سدّر
وازن المـــوية ماتفوت المقّدر
تقرقر نازلة .. الجدول محدر
حتي الموج والحزر والنسائم التي تعبر من خلالها رسم منها لوحة لايفسدها الا الشرح لهذه الابيات
( فوسيب) الجزيرة الموجا دفر
رشرش بره نط القـــيف وطفر
هبهب توبو صمدو عليهو غفر
ينهر تورو عند (الشاهي) حفّر
الكرش الفدع عرجونو جرجر
ما بــدوه من النـــاس محــجر
سبت النجمة قـــام تربالو فجر
ما بتكل سقايــو على المــاجر
حتي دنقلا وتمرها الذي غني له نديده الفني محمد محمد صالح بركيه (من بعيد يا ارقو نخلك بان علي شاطي النيل وقف ريقان ) نجدها نالت حقها الادبي والتاريخي في جودة التمور
عجوة دنقلا الدِفيقا عَمَّر ...
خامي الموية كارب لونو حَمَّر
يقوقي دَباسو فوق كَرّوقو زمَّر ...
من الطير وقف حراسو شَمّــر

د. أبوشوك
09-04-2010, 08:15 AM
مقسوم لي مقدر
كلمات خضر محمود
غناء الفنان النعام آدم

http://www.tawtheeg.info/tawtheeg/shamel/tawfeeg/musattar.mp3



فريع البان
الشاعر خضر محمود
غناء النعام آدم


http://www.tawtheeg.info/tawtheeg/shamel/tawfeeg/alban.mp3

د. توفيق الطيب البشير
09-04-2010, 03:45 PM
عزيزي الصديق البروف أبوشوك
حفظ الله هذا القلم الفياض الذي يغرس ويسقي ويحصد هذه الدرر الكامنة في باطن الأرض علمها من علمها وجهلها من جهلها وما أكثرهم!!
هذا القلم الذي يأسرك ويخطف بصرك حتى ممن يكتب عنه فتجد نفسك مشدوداً إلى عباراته التي ينتقيها انتقاء ومعانيه التي ينسجها نسجاً حتى لا تدرى من هو المبدع حقاً الكاتب أم المكتوب عنه القاصد أم المقصود؟ !!..
هذا القلم الذي تستريح تحت سترته من وهج الحر وصقيع الشمس فلا تدري نثراً ما تقرأ أم شعراً !! وتختفي عنده الفواصل فلا تدري من هو الشاعر ومن هو الناقد ؟!!.. سلاسة وجزالة و خفة روح تجذبك إلى الشاعر جذباً وتدفع بشعره إليك دفعاً حتى لتخال أنك من جمال ما يكتب غريب عن الديار لم تكد تسمع بالشاعرولا روائعه إلا من خلال هذا السرد المتماسك المعسول !!
ليس لنا في هذا المقام حديث .. واصل أيدك الله وزرع في قلمك الساحر هذا بركة وذخيرة .... وزادك علماً وبصيرة ...

د. أبوشوك
09-05-2010, 10:03 PM
شهادة الأخ أبومهاب (إبراهيم ابن عوف عمر)

*************

الاخ / ابوشوك

الأستاذ الجليل والشاعر الكبير والدنا خضر محمود .أمدّ الله فى ايامه . نعم هو شيخ الشعراء بل هو المدرسه الثانيه بعد حسونه . اول ماسمعت له وانا يافع قصيدة الفوسيب ونوارة قنتي، ثم تلى بعد ذلك مسمعى النطم الفريد من مكتوب لى مقدر الى تمر الكرش والتى تغنى بها مؤخراً الفنان ( شكرى ) .

تجاذبت اطراف الحديث مع والدنا وشيخنا حسن الدابى عليه الرحمه والغفران ذات مره ونحن جلوساً امام محلات نورى بالخرطوم، عن سر اغنياته المميزه فقال : ان كان ذلك حقاً فالفضل فى ذلك يرجع للاستاذ خضر محمود، فهو الذى علمنى الشعر من تأثيرى يه وأغانيه، عندما كنت فى مشروع بقنتى .

فهذه شهادة من رجل نظم الاشعار بحنكة ودراية . وعليه فان ابانا وشاعرنا خضر محمود يعتبر الحوض الكبير والعميق الذى ورد اليه كل شعراء المنطقه فاعطاهم عطاءً جزيلاً .

فارجو مواصلة التوثيق لكل اعماله، والمحافظة عليها . فهو يستحق اكثر من ذلك فى زمن اهملوا فيه جماعة الابداع . كما وارجو بعد ذلك ان توثق لابونا الشاعر الكبير حسن يوسف وعليهم وعليك السلام .


ابراهيم ابنعوف عمر

د. يسن محمد يسن
09-06-2010, 01:37 AM
عزيزي الصديق البروف أبوشوك




حفظ الله هذا القلم الفياض الذي يغرس ويسقي ويحصد هذه الدرر الكامنة في باطن الأرض علمها من علمها وجهلها من جهلها وما أكثرهم!!
هذا القلم الذي يأسرك ويخطف بصرك حتى ممن يكتب عنه فتجد نفسك مشدوداً إلى عباراته التي ينتقيها انتقاء ومعانيه التي ينسجها نسجاً حتى لا تدرى من هو المبدع حقاً الكاتب أم المكتوب عنه القاصد أم المقصود؟ !!..
هذا القلم الذي تستريح تحت سترته من وهج الحر وصقيع الشمس فلا تدري نثراً ما تقرأ أم شعراً !! وتختفي عنده الفواصل فلا تدري من هو الشاعر ومن هو الناقد ؟!!.. سلاسة وجزالة و خفة روح تجذبك إلى الشاعر جذباً وتدفع بشعره إليك دفعاً حتى لتخال أنك من جمال ما يكتب غريب عن الديار لم تكد تسمع بالشاعرولا روائعه إلا من خلال هذا السرد المتماسك المعسول !!
ليس لنا في هذا المقام حديث .. واصل أيدك الله وزرع في قلمك الساحر هذا بركة وذخيرة ....وزادك علماً وبصيرة ...



أخي بروف أبوشوك
سلام
كما عهدناك لا تترك لنا مجال للتعليق ، فكل ما نقرأه نجده جديداً فريداً (فقلمك والشاعر أذى وشفاء قلوبنا وعقولنا المعوَّرة)
وكالعادة دكتور توفيق يمارس أنانيته اللغوية فيطرق كل شيء ولا يترك لك مدخلاً لإبداء إعجابك (يعني ما ننوم عشان ما نلقاهو كتب قبلنا)
واصل حاولت أن أجد هذه الأغاني عند النعام لأساعدك ولكن لم أوفق فها أنت تأتي بالكل
لك القومة

د. أبوشوك
09-06-2010, 07:18 PM
علق الأستاذ أحمد سليمان طه على أغنية الدفيق (مقسوم لي مقدر) التي رفعها الدكتور ياسين في منتدى البركل، بقوله:

*******************
أخي الكريم د. ياسين، شكراً لك على هذه المتعة والطرب .
لمحمد العبيد سيد احمد قصيدة رائية مشابهة لهذه في الوزن والقافية، وهي (يا حليلو الراسي يوم بابورو صفّر)
أذكر منها :

في وصف البريدو بقيت محيّر ** قادر الله في خلقو و مخيّر
أبدع صورتو جل الباري صوّر** بي حبو ابتليت و اصبح مسير
قصيبنا القجّ فايض نيلو هدّر ** فسخ قندولو بي خيراتو بشر
طلع تربالو فوق حاحايتو غفّر**و يقدل تورو و التتِّق مشبّر


و الأغنية من أداء الفنان إدريس ابراهيم ، ويبدو أن خضر محمود أكثر إلماماً بفنون الصنعة ، ولعلك قد لاحظت التزامه (بما لا يلزم) في قصيدته مكتوب لي مسطر ، مثل

الفرع المناوي نداهو قطّر ** مع النسام يفوح طيبو عطر
ود الاريل السارح مبطّر** في بكري الخريف واديهو مطر


والتزام ما لا يلزم يقيد الشاعر ، ويضيّق عليه مجال القول ، ويكبح من عنان خياله ، والأقدمون من شعرائنا كانو لا يلتزمون حتى بحرف واحد، قالت حبّوبة كمير:

الجواب مرسول لي علي
قولّو منّو يوصِّلو البيه
انا في سمايتك ما ضقت شي
و كُتَّ دارْ اضبح نعجتي
عِلِّي فاطني اتعرّضت لي !


وقد سمعت من الأخ العطا علي العطا ، وهو شاعر فحل، قصيدة مطلعها

في دروب التُقى و الصلاح .. ديمه تلقى الجنا جابدو ابو ،

وتجد في قافيتها كلمات من قبيل (أبو-أخو – وضو - يلحقو ..الخ) فكأن القافية هنا هي ضم الحرف الأخير لا غير !،
والقصيدة رائعة، وجمال الأخيلة والصور فيها لا تدع مجالا للالتفات للقافية ،

ولكن أعود لأقول (خير الأمور أوسطها) ، بين (الفرع المناوي نداهو قطّر) وبين (الجواب مرسول لي علي)

التحايا

د. يسن محمد يسن
09-06-2010, 10:13 PM
أخي بروف أبوشوك
سلام
هنا تجد رائية محمد العبيد سيداحمد التي أشار إليها الأستاذ أحمد سليمان وقد قصدت من استدارجي له أن يكتب ما كتبه فهو ضليع في علوم الشعر فالتحية له
قد تلاحظ تشرب الشاعرين من البيئة الزراعية التي تكلمت عنها أنت باستفاضة وقد شكلت وجدان الأستاذ الشاعر خضر محمود
أتوقف هنا حتى لا ينحرف مسار البوست

http://www.youtube.com/watch?v=K1OONu-MFww&feature=player_embedded

د. أبوشوك
09-07-2010, 04:16 AM
الأخ الصديق الدكتور ياسين،


دائماً سبَّاقاً في قطف الجميل، بحقٍ قد راعتني الصورة التقابلية الرائعة التي رسمتها بين "مقسوم لي مقدر ... ويا حليلو الراسي يوم بابورو صفّر"، ولا جدال أن بين الاثنتين وشائج قربي من حيث النظم والموضوع، فضلاً عن التوثيق الإلكتروني الحاذق للأخيرة، قد زادها ألقاً على ألقها، وجمالاً على جمالها مصحوبة بصوت المبدع إدريس إبراهيم ... وإلى القارئ الكريم النص الكامل لقصيدة الشاعر محمد العبيد سيدأحمد، عله يتفحص في النصين لا يأتي إلينا بتعليقات تتجاوز ما تتخيله عقولنا الضامرة في النقد الأدبي (الإشارة هنا إلى كاتب هذه السطور).


يا حليلو الراسي يوم بابورو صفر
رجف قلبي المجرح دم مقطر
في وصف البريدو بقيت محير
قادر الله في خلقو المخير
أبدع صورتو جل الباري صور
في حبو ابتليت أصبح مسير
مكحول العيون اللونو اسمر
خدو السادة حالي لهيجو سكر
نظراتو السهام في الجوف بتنحر
قصد لي هلاكنا مالو وقل فينا حدر
قصيبنا الجا فايض نيلو هدر
كشف قندولو بي خيراتو بشر
طلع تربالو فوق حاحايتو غفر
يقدل تورو والتتق مشبر
الرطب الفدع بالكود مجبر
حريص غفارو حارسو عليهو يسهر
غرد طيرو نشوان فوقو فرفر
من نغمو الحنون الروح بتسكر

مشتول الجنيينة ام سور مسور
هبا نسيمو فاح والجو تعطر
سيدو حقب عصاتو تملي ينهر
قفل للطريق والشوف محجر
سلب نومي الملاك وصفايا عكر
زاد نبض القلب والدم تفجر
معزز عند ابوهو البيهو بكر
عقلي تاه معاهو وفيهو فكر
مكتوب في جبيني على مسطر
أضوق نيران فراق زولي المستر
رص الخطوة بالميدان تبختر
يضوي كما النجف كشافو يجهر
يا قلبي آه القضيت عمرك مدردر
رحل خلاك وحيد .. الخدو أزهر
كفاك سيب النواح بالله اصبر
مصيرو بعد غيابو قمرنا يظهر



وبشأن القراءة الأدبية الفاحصة للنصين قد أعطانا الأخ بلدينا في منتديات مروي نت رأس الخيط، وهذا ما ورد على لسانه:
" سمعت الشاعر محمد العبيد سيدأحمد، وهو يتكلم عن قصيدة الراسي يوم بابورو صفر، قال أنه سمع كلام الشاعر في قصيدة مقسوم لي مقدر .. الحب والغرام مكتوب مسطر التي يغنيها الفنان الراحل النعام آدم، وفيها يقول:

عجوة دنقلا الدفيقا عمر .. خامي الموية شارب لونو حمر
يقوقي دباسو فوق كروقو زمر .. من الطير وقف حراسو شمر
فوسيب الجزيرة الموجا دفر .. رشرش بره نط القيف وطفر


ويقول شاعرنا محمد العبيد إنه إستغرب من كلام الشاعر حيث أن الدباس عادة لا يرك فوق كروق التمر، بل أن الدباس مكانه فوق السبيط، وقال إنه حرص على تعديل هذه الصورة حيث أتي بالصورة الصحيحة لمكان الطير في قصيدته يوم بابورو صفر فقال :

الرطب الفدع بالكود مجبر
حريص غفارو حارسو عليهو يسهر
غرد طيرو نشوان فوقو فرفر
من نغمو الحنون الروح بتسكر "



الدعوة موجهة لكل الراسخين في النقد الأدبي والمقارنة، وأذكر منهم الأخ الصديق الدكتور توفيق الطيب، الدكتور ياسين محمد ياسين، والأستاذ أحمد سليمان طه، والأستاذ صلاح الرشيد، والأستاذ عبد الرحمن مامان، والأستاذ محمد خير عوض الله، والأستاذ محمد إبراهيم أبوشوك، والأستاذ أمير مصطفى القراشي، فهلا أتحفونا في هذا الشأن بعطائهم الرائع وقراءاتهم النقدية السابلة في مفردات الأغنية الشايقية الحبلى بتراث أهلنا الطيبين نواحي السافل كما يحلو للأخ محمد خير عوض الله.

محمد إبراهيم أبوشوك
09-07-2010, 03:09 PM
لابد من وقفة وتأمل بل إكبار لكلمات الشاعر المبدع دوماً ود ابنعوف - شاعر العيون .
وهو شاعر متألق في سماء الأغنية الشايقية منذ عقود من الزمان .
وكلنا نعرف ما دار بينه والأستاذ خضر محمود من مساجلات عنيفة ، نحمد الله أن باتت في طي النسيان .
وهنا يحلق "شاعر الإبداع والتحدي" ليسجل إفادته الناصعة في حق الأستاذ خضر بمداد يضاهي الدم والدموع .. فتأمل !!
الانحناء والتجلة لك أبو مهاب ، وبحق إنك "مجموعة من الأحاسيس النبيلة" ، وما أروعك شاعر وإنسان .

د. أبوشوك
09-10-2010, 03:26 AM
النص الكامل لقصيدة الفوسيب، حسب قراءة الأستاذ محمد إبراهيم أبوشوك، أمل أن يضيف بعداً آخر للمهتمين بقراءة أشعار الشاعرالفحل خضر محمود، فالنص جدير بالتحليل والقراءة النقدية الفاحصة، لأنه جاء على نسق جديد في النظم، وتناويب فريد للقوافي، فالأمر متروك لأولي العلم في هذا المجال .....

*******

الفوسيب

كلمات خضر محمود سيد أحمد

غناء النعام آدم
***********



الفوسيب القايم صغار توتيب جاهل ننو

جل الحكم التركيب وصورو زاهي لونو قشيب

وتوج حسنو بالتهذيب وزادو علي الأزاهر طيب

غارن منو

الخبر الوصلني رهيب وخل اليوم علي عصيب

فرقع زى قنابل كيب ومن هولو الطفل بيشيب

فايت سنو

يا مولانا إنت رقيب اسمع لي دعاي وجيب

وارحم خفف التعذيب وعوضنى الفقتو قريب

وسائل منو

يا خالقنا إنت طبيب قلبي الدمرو التخريب

اطفى القايمة فيهو لهيب واشفى جروحو يبرا يطيب

وما يأزنو

يا عينى كفاكي صبيب وكفاكى بكا وكفاكى نحيب

إن سهمك ندر بيصيب النوح والسهر ماب جيب

نوموا اتهنوا

يا قلبى البقيت عجيب للهم والنكد كسيب

ولي زرع المحبة خصيب الحب في بلادك عيب

وما حامدنوا

في الحب تسمع التأنيب وتسمع في المنصة خطيب

يُعلن إنو مافى حبيب أبعد والطريق ده صعيب

وما سالكنوا

قلبي الكان متيم حاب وعاشقك يا قصيبة الساب

أقسم قال لي منك تاب وليهو زمن خيالك غاب

وصارف عنو

آمن إنو حبو سراب وترك المنقة والعناب

وبطل وقفل الأبواب ماب يرجع يكون كضاب

تانى أظنو

د. أبوشوك
09-11-2010, 11:24 AM
كتب عكود في منتدى سودانيات:

************
التحيّة والقومة لدكتور أبوشوك وهو يوثّق لمبدعينا الّذين لم ينالوا من الأضواء ما يستحقّون . .
وما أكثرهم.
تلك النواحي ودود ولود وما زال رحمها خصباً.
خضر محمود سيدأحمد، إنتشرت أغنياته في زمناً يصعب الإتّصال الإعلامي فيه.
كانت الوسائل الإعلامية المُتاحة هي أغاني النعام في ربوع السودان وما يُترنّم به في الأفراح وليالي السمر حيث يتجمّع الشباب في الليالي المُقمرة مُمسكين طنابيرهم يتبارون في عزف أعذب الألحان.
في تلك الأيّام، كانت أغنيات خضر وحسن الدابي، هي الملاذ والسلوى، وكانت "نوّارة قنتّي" ورصيفاتها من الأغاني المشهورة في ذلك الزمان يحفظها الجميع عن ظهر قلب.

ليت المهتمّين بتُراث المنطقة والمناطق الأخرى يحذون حذو أبوشوك في الكتابة عنهم وتعريفنا عنهم.

****
تم تساءل:

فقط لدي تساؤل،
أين موقع حسن الدابي من هذه المشيخة؟
فهو قطعاً ليس حواراً.
****

الرد:
الأخ عكود،
حسن الدابي هو أمير شعراء الأغنية الشايقية.

عوض الخليفة طه
10-03-2010, 01:35 PM
شكراً لك البروف أبوشوك .. والله لقد إستمتعنا غاية المتعة مع هذا السرد الشيق الدقيق عن الأستاذ الشاعر الكبير خضر محمد هذا الرجل الذي اثرى الساحة الفنية بعدد هائل من القصائد الخالده التي سرت بها الركبان وطافت بها في رحاب هذا الوطن.
وقد تناقلت بعض الصحف هذا الموضوع عبر صفحاتها وهذا دلالة على قوة وحيوية ما تفضلت به من معلومات عن هذا الرجل القامة خضر محمد .. تحياتي بلا حدود..

ابنعوف عمر عبدالرحمن
11-30-2012, 11:54 AM
السلام عليكم بروف أحمد شوك
مشكور علي توثيقك الجميل كجمال الدفيق والجابيق والفوسيب وفريع البنا لشاعرنا الجميل خضر محمود أمد الله في أيامه .
يعجني في شعر عمنا خضر إرتباط وربط جميع قصائده بالزراعه ويظهر ذلك جليا في منظوماته الفوسيب والدفيق وشتل الكرش وسمعت أن له أغنيه تسمي الجابيق يا ليت تأتينا بها.
نطلب منك بروف شوك التوثيق لشاعرنا في كتاب يحمل كل صغيره وكبيره عنه خصوصا وأنك إبن حصاية العمده التي أنجبت خضر محمود ومن المؤكد أنك كنت شاهد علي ميلاد بعض كلماته الحسناوات .
سمعنا في الأيام الماضيه أن قناة قون الفضائيه تنوي التسجيل مع الأستاذ خضر في قنتي _حصاية العمده_ ويقوم بالتجهيز لهذا البرنامج الشاعر خالد عباس شقوري نسأل الله أن يوفقهم والمعروف أن الأعلام يجهل شاعرنا