المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمزية المرأة في الشعر الغنائي السوداني


عثمان محمد وداعه
07-31-2010, 10:45 AM
رمزية المرأة في الشعر الغنائي السوداني...


الوطن بين الترحال ودفء المكان والفَقرْ البليدْ
::::


الشفيع عمر حسنين


الراي العام


28 يوليو 2010م


من الطبيعي والمؤكد أن يفطن ويلاحظ المستمع الجيد والمتابع
للأغنية السودانية ( باللهجة العربية السودانية) ومحطــات
تطورها بعين الملاحظ الدقيق، ذلك التطور النوعي الكبير
والقفزات ذات العلامات الفارقة التي شهدتها الأغنية في مسيرتها
الحديثة منذ أوائل القرن الماضي، والتي تمثل أنموذجاً في التواصل
العربي الأفريقي كإمتداد للثقافة الجديدة التي تكونت في الأرض
السودانية، والتي تكونت بإنصهار القومية العربية بإلتزامها
الحضاري الإسلامي الذي حملته، والقوميات الأفريقية النيلية
بمختلف سلالاتها وإيقاعاتها وموسيقاها، مما أدى الى تفرد حتى
على مستوى اللحن المصاحب للقصيدة المغناة، فكان السٌلّمْ
الخُماسي الذي جعلنا في المنطقة الوسطى بين الألحان العربية
الكلاسيكية والإيقاعات الأفريقية الجماعية والصاخبة.
هذا الإنصهار قدم نماذج فنية وثقافية متميزة في النتاج الجمعي للعقل
الواعي للنخبة المتعلمة في شتى مجالات ودروب الحياة الفنية والثقافية
والأدبية، فكانت مدرسة الغابة والصحراء، ومدرسة الواحد، ومدرسة
الخرطوم في الفن التشكيلي والشعر، وكان الفيتوري وغيره، وكان
مؤخراً الموسيقار السوداني الكبير محمد وردي فنان أفريقيا الأول
(لعام 1999) الذي حاز على هذا التكريم برغم أدائه لأغنياته باللغة
العربية، واللهجة السودانية العربية على وجه التحديد، مما يشير الى
براعة وتفوق الموسيقى السودانية ( الجديدة) على ما هو موجود أصلاً.

تطورت القصيدة الغنائية السودانية العربية بعد المرحلة الأولى للغناء
المنتظم، والمحترف الى حدٍ ما، فيما أصطلح على تسميته بـ»غناء
حقيبة الفن» في السودان، وهو النمط الذي ساد في بدايات القرن
الماضي، ويُعتمد فيه على مغنٍ واحد تصاحبه مجموعة كورالية من
ثلاثة أو أربعة مؤدين يسمون « الجوقة»، بينما كانت آلة العــزف
والألحان الموسيقية المصاحبة والوحيدة هي «الرِقْ».
سارت الأغنيات في تلك الفترة التاريخية لفن الغناء في السودان في
ذات دائرة القصيدة العربية الكلاسيكية القديمة من تغنٍ ومــدح في
محاسن المرأة الجسدية، والتغزل في مفاتنها بصورةٍ حسيةٍ واضحة
تبرز الهاجس الأساسي للقصيدة نفسها.
يقول الشاعر محمد على عبد الله ( الأمي) 1908- 1988
في أغنية «سألته عن فؤادي» :
سألته عن فؤادي وعن سبب هيامه
أجابني ما هو عارف
عشقته وجماله نظمته فى فنوني
جفانى صدى عنى تركنى لشجوني
إذا تلاشى صبر وترعرت جنونى
وإذا أنبرى فؤادي لعهدي ما بخالف

كانت محطة النقل الأولى من نصيب الشاعر النوبي والمغني
«خليل فرح» عندما أتى بأغنيته الأشهر «عزة في هواك»
كأول خطوة حقيقية لإستخدام المرأة كرمز للتغني بالوطن
وإستنهاض الهمم للنضال والدفاع عن الوطن ضد الإستعمار
البريطاني الذي كان يحكم البلاد في ذلك الزمان. يقول فيها :
عزه شفتي كيف نهض العيال
جددوا القديم تركوا الخيال
روحك أم سماح سري كالسيال
شجوا الفؤاد حيوا محسور الليال
عزه في الفؤاد سحرك حلال
و نار هواك شفا و تيهك دلال
و دمعي في هواك حلو كالزلال
تزيدي كل يوم عظمة إزداد جلال
لم يتوقف الخليل، بل وأضاف أضاف مجموعة أخرى مقدرة من
الأغنيات الوطنية ، وتغنى بالرموز الوطنية، وحيّا دور المدن في
الثورة ونشر الوعي، فغنى لمدينة ود مدني ومحبوبته امدرمان،
الى جانب مجموعة من الأغنيات العاطفية، تجعله بحــق رائد
الأغنية السودانية العربية الحديثة، ومطور قصيدتها الغنائية الى
الترميز.
تعدد إتجاهات تطوير خليل فرح للأغنية، فكانت ألحانه إضافة جيدة
لما كــان سائداً في ذلك الوقت، وقوبلت إجتهاداته تلك بالتشجيع
والدعم المطلوبين، مُعطياً الأغنية مساحاتٍ واسعة لإستخدام آلات
موسيقية جديدة، ومُبقياً الفرصة سانحة لأية اجتهادات مقبلة من بعده،
وهو ما حدث بالفعل بعد ظهور الفنان «العبقري» إبراهيم الكاشف»
الذي وبرغم عدم دراسته في المدارس، وعدم تمكنه من أدوات التثقيف
مثل خليل فرح خريج كلية غردون التذكارية والموظف بمصلحة البريد
والبرق، استطاع إحداث نقلة نوعية ثانية، مزوداً القصيدة الغنائية
بدفعة جديدة وثرّة من الألحان المدهشة، واختيار الكلمة المغنأة نفسها.

دخلت الأغنية السودانية حقولاً أوسع ببداية عهد القصائد المقفاة،
ومثّل الموسيقاران «محمد وردي» و»محمد الأمين» فتحاً جديداً
بما قدماه من تجارب في هذا الاتجاه، وإن كانت تجاربهما الأقوى
والأشهر في بداياتها في اختيار وغناء القصائد السياسية في سياق
الأحداث التي مرت على السودان، وتقلبات الحكم المتعددة فيه، وهو
ما ظلّ المحرك الأساسي والمعين الحقيقي للحركة الإبداعية في كل
المجالات وباختلافها، مما يجعل ذلك مثار نقد وإنتقاد للتأثر الواضح
بالحكم السياسي. وأضافت إسهامات العديد من المطربين في مقدمتهم
«عثمان حسين، وحسن عطية، وعثمان الشفيع، والعاقب محمد حسن،
وعبد الكريم الكابلي»، وغيرهم نماذج متنوعة ومتعددة للألحان والتأثر
بالمحيطين الأفريقي والعربي، مما أضاف الكثير لمسيرة الأغنية
السودانية شكلاً ومضموناً.
توالت التجارب المتنوعة بعد ذلك، وتحرر الشعر الغنائي من التقريرية
والمباشرة فيه لمخاطبة الوطن والتعبير عن المشاعر القومية، وخطا
خطوات أوسع الى الأمام متخذاً الرموز والمرأة تحديداً للكتابة عن
الملاحم الكبرى في حق الوطن، وبث الآمال والأحلام والتغني بواقع
أفضل وأجمل. وتُوّج تتابع وتواصل التجربة الجديدة التي سيطرت
على أغلب الساحة الغنائية، بظهور جيلٍ جديد من المطربين الشباب
الذين درسوا في معهد الموسيقى والمسرح سابقاً صاحب الدور الكبير
في مسيرة الفنون والثقافة في السودان. ودعم ظهور هؤلاء الشباب
باستعدادهم وحماسهم المتدفق لخوض التجربة، شكلاً أوسع وسنداً
قوياً لتجربة الرواد، فكان أبو عركي البخيت وعبد العزيز العميري
ومصطفي سيد أحمد وآمال النور من الفنانات كنماذج، إلى جانب
عدد من الفرق الغنائية الجماعية المعتمدة على الكورالية في الأداء
كفرقت «ساورا» و»عقد الجلاد» وغيرهما.
تأخذ المرأة الرمز/ الوطن عدة صور مختلفة ومتباينة في إطارات
وصياغات متعددة يجمعها حب الوطن والإحساس الكبير والقوي
تجاهه، وإن اختلفت هذه الصور، يقول صلاح حاج سعيد :
عينيك مدن .. منسية في كتب التواريخ والزمن
عينيك وطن.. مشدود على وتر التباريح والشجن
................ وفيه حطّ النيل سَكَنْ
نلاحظ هنا اتجاه الشاعر إلى التشبيه البليغ التام مختصراً كل أوجه
الشبه والمقارنات ومحاولات التسوية والتقريب التي يمكن أن
تضعف من حال التماثل والتشابه الذي يعمق ويوصل الفكرة، وهي
ما يعنيه الشاعر، وبذلك ينقل لنا صورة الوطن بكل ما يعتريه وما
صادفه، فهما مدنٌ تتلاقى وتجتمع لتحيلنا إلى الوطن المشدود على
الأوتار، الوطن الذي لا يشكل النيل أحد ملامحه الأساسية، بل أن
النيل هو من اختاره مكاناً ووجوداً أبدياً له.
تتجلى الصورة عند التجاني سعيد قمةً في الانتماء ومطابقة الرمز /
المرأة للمرموز الوطن فيتجليان شيئاً واحداً ويكون البحث عن واحد
منهما هو إشارةً إلى الآخر، وكل الأوطان التي تسعها الأرض هي
منفى، وليس وطن :
رحلت وِجِيتْ .. في بُعدِكْ لقيتْ.. كُل الأرض منفَى
والرمز نفسه هو مشروع وحاضر الحلم الواسع الفسيح لدى «أزهري
محمد علي»، فبرغم كل المتاريس والعوارض من الموج اللئيم،
ونقص الزاد، فإن صبره للوصول الى مشروعه وحلمه لا يفتران :
يا مُشرعْ الحُلمْ الفسيحْ .. أنا بيني ما بينك جزر
تترامى والموج اللديحْ
القُدرة والزاد الشحيحْ
كملتو ما نَفَدْ الصبرْ
يواصل أزهري على ذات المنوال في إعلان فطرته عن إعلان الحياة
الخالية من العوارض والمحن بسؤالٍ مباشر إلى الرمز/ الوطن،
يحمل كل استعداداته وتهيؤه وظنونه للحياة الأجمل، يقول :
أبداكي من وين
وفيني منك لسه حاجات من مخاوف ومن شجن
وطني إنك .. فكرة إعلان الحياة
وإنتهاءات العوارض والمحن
أما «محجوب شريف» فيتخذ الرمز مكان حمايته وملاذه الأخير
والوحيد من حوادث الزمن، ووصوله له يعني الراحة والظل
الوريف، يقول:
يا صبية .. الريح ورايا
خلّيِ من حضنك ضرايا
وينطلق الدكتور عمر محمود خالد مباشرةً من الصورة الحسية للمرأة /
الرمز الى وطن كامل الأوصاف، فهي كل صفات القوة والكرامة
والكبرياء وما بقى من أوصاف الوطن الجميل العزيز، يقول :
في عيونك شايلة أكوان من أصالة .. ومن براءة ومن محنة
وعزة تشرب من معزة ومن تراثنا ومن أصلِنْا
يعود بنا هاشم صديق إلى المباشرة في الخطاب ولكن في الرمز نفسه
ومن ثمّ المرموز إليه، ولا عجبْ، فالرمز جزءٌ ومثال لأهله الطيبين
يدور في إطار السيمفونية الرائعة التي يجسدونها بالعيش، يقول :
عيونك ديل عيون أهلي ... حُنّانْ زى نغمة في مقطع
بينما يقر «عاطف خيري» الشاعر الشاب، ويصر على ذاك الانتماء
الكبير للمرأة/ الوطن، فيسمي مرافئها الوطن، وأغنياتها الحزينة
هي أناشيد روحه المفضلة، يقول :
يا صاحية بالحاصل علي